ابن ميمون
134
دلالة الحائرين
ليست هذه المعاني تنسب إليه وإلينا بمعنى واحد ، ويكون الاختلاف بين تلك الصفات وبين صفاتنا بالأعظم أو الأكمل أو الأدوم أو الأثبت ، حتى يكون وجوده أثبت من وجودنا ، وحياته أدوم من حياتنا ، وقدرته أعظم من قدرتنا ، وعلمه أكمل من علمنا ، وارادته اعمّ من إرادتنا ، ويعمّ المعنيين حدّ واحد ، كما يزعم هؤلاء ليس الأمر كذلك بوجه ، لأن باب افعل انما ينطق به بين الأشياء التي يقال عليها ذلك المعنى بتواطؤ . وإذا كان ذلك لزم الشبه ، وعلى رأيهم الذين يرون ان هناك صفات ذاتية كما لزم أن تكون ذاته تعالى تشبه الذوات ، كذلك كان ينبغي أن تكون صفاته / الذاتية التي يزعمونها لا تشبه الصفات ولا يجمعها حدّ واحد ، وليس كذلك يفعلون بل يظنّون ان يجمعهما حدّ واحد وأن لا تشابه بينهما . فقد بان لمن يفهم معنى التشابه أنه تعالى انما يقال عليه وعلى كل ما سواه موجود باشتراك محض ، وكذلك انما يطلق العلم والقدرة والإرادة والحياة عليه تعالى ، وعلى كل ذي علم وقدرة وإرادة وحياة بالاشتراك المحض الّذي لا تشابه معنى بينهما أصلا . ولا تظن انها تقال بتشكيك ، لان الأسماء التي تقال بتشكيك هي التي تقال على شيئين ، بينهما تشابه في معنى ما . وذلك « 1585 » المعنى عرض فيهما ، وليس هو مقوّما لذات كل واحد منهما . وهذه الأشياء المنسوبة له تعالى ليست هي اعراضا عند أحد من أهل النظر وهذه الصفاة التي لنا كلها أعراض بحسب رأى المتكلمين . فيا ليت شعري من اين وقع « 1586 » الشبه حتى يجمعهما حدّ واحد ، فتكون مقولة بتواطؤ ، كما يزعمون . فهذا برهان قطعي على كون هذه الأوصاف المنسوبة له ، ليس بين معناها ومعنى هذه المعلومة عندنا شركة بوجه ، ولا على حال ، وإنما الشركة في الاسم لا غير . وإذا كان ذلك كذلك ، فلا ينبغي ان تعتقد معاني زائدة على الذات شبه هذه الصفات التي هي زائدة على ذاتنا ، لما اشتركا « 1587 » في الاسم . فهذا المعنى عظيم الجلالة عند العارفين فاحفظه ، وحصّله حق تحصيله ليكون عتيدا لما يراد تفهيمك إياه .
--> ( 1585 ) وذلك : ت ج ، وكذلك : ن ( 1586 ) وقع : ت ، يقع : ج . جمعها : ت ، يجمعهما : ج ( 1587 ) اشتركا : ت ج ، اشتركنا : ن